مجموعة مؤلفين

171

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

المحبة لا بلسان العلم والعقل ! فضحك سليمان وعفا عنه ، ويعقب ابن عربى على القصة فيقول : إن هذا « جرح قد جعله جبارا ولم يؤاخذه به » وكذلك المحب لا يؤاخذ على ما يبدو منه خروجا على تعاليم اللّه ، « لأن الحب مزيل للعقل ، وما يأخذ اللّه إلا العقلاء ، لا المحبين ، فإنهم في أسره وتحت حكم سلطان الحب » إن اللّه يعفو عن زلات المحب ومعاصيه دون ما حاجة إلى توبة ، إنما يفعل اللّه ذلك امتنانا وفضلا ، وعد ما أجترحه المحب المسىء جبارا ، وما توعده به الحق من وقوع الانتقام جبارا ، ومن أجل هذا عفا عنه بغير مبرر ، إن « البهيمة لا تقصد ضرر العباد ولا تعقل ، فجرحها جبار » وكذلك المحب حين يقترف إثما لا يقصد ضررا ، ولا يعقل ما يفعل ومن ثم كان جرحه جبارا ، وللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين . ويمضى ابن عربى في تفسير رأيه وذكر المبررات التي تسوغ ارتفاع المسؤولية الأخلاقية عن المحب فيقول : إن المحب غير مطالب بالقيام بالآداب ( الواجبات ) « إنما يطالب بالأدب من كان له عقل ، وصاحب الحب ولهان مدله العقل لا تدبير له فهو غير مؤاخذ في كل ما يصدر عنه » . هكذا أكد ابن عربى أن المحب الفاني في اللّه فاقد العقل ، مسلوب القدرة على حرية الاختيار ، والمسؤولية - في عقائد الدين ، وحتى في القوانين الوضعية ومذاهب الفلسفة الخلقية - لا تستقيم بغير توافر ركنيها مجتمعين : التعقل والحرية . * * * تعقيب : نستهل هذا التعقيب ببضع ملحوظات عن الجانب المشترك بين ابن عربى وأمثاله ومن الصوفية ، تليها أخرى عن الجانب الذي انفرد به بحكم نظريته في وحدة الوجود بوجه خاص :